عندما بدأنا العمل على مقر Proven Arabia في برج القمر بمدينة الرياض، كان واضحًا منذ البداية أن هذا المشروع لن يُعامل كمكتب تقليدي.
الشركة تعمل في مجالات تقنية المعلومات والروبوتات والذكاء الاصطناعي، وطبيعة عملها نفسها فرضت سؤالًا مختلفًا علينا كمصممين:
كيف نصمم بيئة عمل تستوعب الموظف والتقنية والروبوت داخل المساحة نفسها، وتبقى في الوقت ذاته عملية، مريحة، مرنة وقابلة للاستخدام اليومي؟
كانت مساحة المشروع تقارب 600 م²، لكن المساحة لم تكن هي التحدي الأكبر. التحدي الحقيقي بدأ من شكل المبنى نفسه، ثم تطور مع متطلبات تشغيلية وفراغات لم تكن موجودة أصلًا ضمن القوالب المعتادة لتصميم المكاتب.
المساحات المكتبية المعتادة غالبًا تعتمد على محيط مستقيم وزوايا واضحة تساعد على توزيع الجدران والغرف والأثاث والأنظمة المختلفة.
في هذا المشروع كانت واجهة البرج ومحيط المساحة يأخذان شكلاً منحنيًا أقرب إلى البيضاوي.
هذا الاختلاف البسيط ظاهريًا غيّر الكثير من القرارات داخل المشروع.
الجدران الداخلية، القواطع الزجاجية، قطع الأثاث الثابتة، الأسقف، الأرضيات وبعض التفاصيل التنفيذية لم يكن من الممكن التعامل معها كعناصر مستقيمة ثم تركيبها داخل المساحة.
كان علينا أن نقرأ انحناء المبنى أولًا، ثم نبني التوزيع والتفاصيل التنفيذية عليه.
وهذا يعني أن جزءًا مهمًا من العمل لم يكن اختيار الشكل فقط، وإنما تحويل الهندسة المنحنية للمبنى إلى مخططات تنفيذ دقيقة يمكن تنفيذها فعليًا في الموقع.
ولهذا جاءت بعض عناصر المشروع نفسها بانحناءات واضحة، بحيث لم نقاوم هندسة المبنى وإنما جعلناها جزءًا من لغة التصميم.
يمكن ملاحظة ذلك في الجلسات المدمجة، بعض القواطع، التكوينات الخشبية، والأسطح المنحنية التي أصبحت لاحقًا من أكثر العناصر تميزًا في المقر.
من أول مراحل التخطيط الداخلي كان لدى فريق Proven Arabia تصور واضح:
يريدون مقرًا مختلفًا عن نموذج المكتب التقليدي القائم على صفوف مكاتب وغرف اجتماعات وممرات تربط بينها.
طبيعة الشركة التقنية وطبيعة فرق العمل لديها تحتاج إلى مساحة أكثر تفاعلًا ومرونة.
بدأنا لذلك بدراسة حركة المستخدم قبل التفكير في شكل الأثاث.
أين يتحرك الموظف؟
أين يتوقف؟
أين يجتمع الفريق سريعًا؟
أين يحتاج إلى التركيز؟
وأين يتحرك الروبوت؟
هذه الأسئلة هي التي بدأت منها خطة المساحة.
والنتيجة كانت بيئة تحتوي على درجات مختلفة من أماكن العمل، بدل أن يكون لكل مهمة نموذج واحد فقط.
واحد من أكثر المتطلبات إثارة في المشروع كان أن الروبوتات تتحرك فعليًا داخل مقر الشركة.
وهذا جعل Circulation Design جزءًا أساسيًا من التصميم.
الممر في المكتب التقليدي يكفي أن يكون مريحًا وواضحًا للأشخاص.
هنا أصبح علينا التفكير كذلك في حركة أجهزة مستقلة داخل البيئة المكتبية.
احتاج ذلك إلى وضوح أكبر في المسارات، تقليل العوائق، دراسة مناطق الالتقاء والدوران، والمحافظة على انتقال سلس بين أجزاء المكتب.
وفي الوقت نفسه لم نرد أن تتحول المساحة إلى ممرات واسعة تهدر المساحة القابلة للاستخدام.
كان المطلوب تحقيق توازن بين:
مساحة العمل، سهولة حركة الموظفين، والحركة التشغيلية للروبوتات.
وفي الصور المنفذة يمكن رؤية نتيجة ذلك بوضوح؛ فرغم تنوع مناطق العمل والاجتماعات، ما زالت الحركة بين الفراغات مفتوحة وسلسة.
أحد أكثر الجوانب اختلافًا في هذا المشروع كان برنامج الفراغات نفسه.
فإلى جانب الوظائف المكتبية المعروفة، احتاج المشروع إلى فراغات مرتبطة مباشرة بطبيعة نشاط Proven Arabia.
ظهرت لدينا مسميات مثل:
غرفة الروبوتات.
غرفة البرمجيات.
غرفة Creativity.
وغيرها من المساحات التقنية والمتخصصة.
التحدي هنا أن المصمم لا يستطيع الاعتماد على نموذج جاهز.
عند تصميم غرفة اجتماعات مثلًا توجد خبرة متراكمة ومعايير معروفة: شاشة، طاولة، حركة، إضاءة، صوتيات وغيرها.
أما عند التعامل مع وظيفة مرتبطة بتطوير وتشغيل روبوتات أو فرق برمجية، فيجب أولًا فهم طريقة استخدام الفراغ ثم تصميمه.
وهذه نقطة نعتبرها أساسية في تصميم المكاتب ومساحات العمل في الرياض: اسم الغرفة وحده لا يكفي لتحديد تصميمها؛ طريقة العمل التي ستحدث داخلها هي التي تحدد المساحة.
بيئة العمل المفتوحة تعزز التواصل، لكنها تخلق مشكلة معروفة: ماذا يفعل الموظف عندما يحتاج إلى مكالمة خاصة أو مكالمة فيديو أو عشر دقائق من التركيز؟
لهذا تم إدخال Silent Rooms أو Phone Booths داخل المشروع.
الكابينات التي تظهر في الصور ليست غرف اجتماعات مصغرة.
فكرتها أبسط وأكثر عملية.
يدخل الموظف لإجراء مكالمة، إنجاز مهمة تحتاج إلى تركيز، أو الابتعاد لفترة قصيرة عن مستوى الضوضاء في المساحة المفتوحة، ثم يعود مباشرة إلى بيئة العمل.
هذا النوع من الفراغات يقلل الحاجة إلى حجز غرفة اجتماعات كاملة من أجل مكالمة شخص واحد.
والنتيجة أن كل نوع من الفراغات يؤدي وظيفته بشكل أكثر كفاءة.
كان لدينا أيضًا سيناريو عملي متكرر:
موظف طبيعة عمله خارج المكتب معظم اليوم.
يعود إلى المقر لفترة قصيرة فقط.
ربما يرسل بعض الرسائل، ينهي تقريرًا، يراجع ملفًا أو ينتظر اجتماعًا.
هل يحتاج هذا الشخص إلى مكتب كامل دائم؟
في كثير من الحالات لا.
لهذا استخدمنا Work Spots وجلسات Built-in مدمجة في الجدران.
وهي مناطق صغيرة مهيأة لإنجاز المهام السريعة من دون احتلال محطة عمل كاملة.
الصورة التي تظهر الجلسة الخشبية الطويلة مع الجدار المنحني مثال واضح جدًا على هذه الفكرة.
الموظف يستطيع الجلوس، فتح جهازه، العمل لفترة قصيرة ثم المغادرة.
وبذلك تتحول المساحات التي كان يمكن أن تكون مجرد ممر أو جدار إلى مساحة منتجة.
وهي فكرة قريبة مما نتحدث عنه في موضوع المساحات غير المستغلة في المكاتب: قيمة المكتب لا تقاس فقط بعدد الغرف، وإنما بمدى استفادتك من كل متر داخله.
لم تعتمد الشركة في تواصلها الداخلي فقط على غرف الاجتماعات التقليدية.
كان هناك احتياج لمكان يسمح بعقد عرض سريع، Seminar قصير، مناقشة فريق أو مشاركة فكرة من دون الحاجة إلى الانتقال إلى قاعة اجتماعات مغلقة.
ومن هنا جاءت فكرة الـStage مع الجلسات المدرجة.
هذا النوع من المساحات يغيّر طريقة التفاعل داخل المكتب.
الفريق يستطيع التجمع خلال دقائق، مناقشة موضوع، تقديم تحديث أو عرض سريع، ثم العودة إلى العمل.
وهو أكثر ملاءمة لبيئة شركة تعمل في مجالات سريعة التطور مثل التقنية والذكاء الاصطناعي.
واحدة من أكثر مناطق المشروع وضوحًا بصريًا هي التكوين الدائري الكبير في مركز المساحة.
تعاملنا معه كعنصر متعدد الوظائف.
فهو عنصر بصري يساعد في إعطاء المشروع شخصية واضحة، لكنه أيضًا منطقة استخدام فعلية.
يمكن استعماله كنقطة عمل سريعة، جلسة غير رسمية، أو كمنطقة خدمة وOpen Buffet خلال الفعاليات واللقاءات.
التكوين الخشبي الرأسي الذي يرتفع من العنصر باتجاه السقف أعطى هذه المنطقة مركزية بصرية من دون الحاجة إلى فصلها بالجدران.
وبذلك أصبحت نقطة تجمع طبيعية داخل المخطط.
والأهم أن الشكل المنحني لهذا العنصر جاء منسجمًا مع هندسة البرج نفسها، بدل إدخال كتلة مستقيمة لا تنتمي إلى المكان.
من البداية كان هناك قرار واضح بالمحافظة قدر الإمكان على مناطق العمل بالقرب من واجهة البرج.
الإطلالة المرتفعة على مدينة الرياض إحدى نقاط القوة الأساسية للموقع، ومن غير المنطقي حجبها بغرف خدمات أو ممرات مغلقة.
لهذا حاولنا إبقاء أكبر عدد ممكن من مناطق الاستخدام اليومي مرتبطًا بالواجهة الخارجية.
واستخدمنا القواطع الزجاجية في أجزاء مختلفة للمساعدة على انتقال الضوء والرؤية إلى عمق المساحة.
هذا جعل المكتب يبدو أكثر انفتاحًا، وفي الوقت نفسه حافظ على الفصل الوظيفي عند الحاجة.
مع وجود كل هذه الوظائف المختلفة، كان من السهل أن يصبح التصميم مزدحمًا بصريًا.
لذلك اتجهت لغة الخامات إلى درجات هادئة نسبيًا.
الخشب الفاتح أصبح عنصرًا أساسيًا في المشروع.
الزجاج حافظ على التواصل البصري.
السجاد والأرضيات ساعدت في معالجة الاستخدام المكتبي اليومي.
النباتات أضيفت في نقاط مختلفة لتخفيف مادية بيئة تعتمد بطبيعتها على التقنية والشاشات والأجهزة.
كما استخدمت الخطوط المنحنية باستمرار في الجدران والأثاث وبعض عناصر السقف والتفاصيل، بحيث أصبح هناك ترابط واضح بين الهندسة المعمارية للمبنى وبين التصميم الداخلي.
هذه المعالجة جعلت المشروع عصريًا من دون الاعتماد على خامات صاخبة أو حلول مؤقتة مرتبطة بموضة قصيرة.
وفي مشاريع المكاتب تحديدًا نركز كثيرًا على هذه النقطة، لأن الخامة يجب أن تتحمل الاستخدام وأن تبقى قابلة للصيانة، وهو ما تناولناه أيضًا في مقالنا عن تصميم المكاتب العملية في الرياض.
وجود شركة تعمل في التقنية والروبوتات يعني أن الجانب التقني لا يمكن إضافته إلى التصميم في نهاية المشروع.
من مراحل التخطيط تمت دراسة الشبكات والأنظمة الذكية وما يحتاجه المشروع من Smart Systems وبنية تحتية تقنية، بحيث تتكامل مع توزيع الغرف ومسارات الحركة ومناطق العمل.
وهذه من النقاط المهمة في تصميم المقرات الحديثة.
كلما تأخر تنسيق التقنية مع التصميم الداخلي، ظهرت حلول اضطرارية لاحقًا: أجهزة في مواقع غير مناسبة، تمديدات ظاهرة، تغييرات في الأسقف أو تعديلات ميدانية يمكن تجنبها.
لذلك كان التنسيق بين الجوانب المعمارية والتقنية جزءًا من عملية التصميم نفسها.
القيمة الحقيقية لهذا المشروع ظهرت عندما انتقلت الأفكار من الرسومات إلى الموقع.
الأشكال المنحنية احتاجت إلى دقة عالية في الرفع والتصنيع والتنفيذ.
الكابينات، الجلسات المدمجة، العناصر الخشبية، القواطع الزجاجية، الأنظمة الكهربائية والذكية، الإضاءة، ومسارات الحركة كلها كانت مرتبطة ببعضها.
وأي خطأ في عنصر واحد كان من الممكن أن يؤثر على العنصر التالي.
لهذا لم نتعامل مع كل بند بصورة منفصلة، وإنما كمجموعة واحدة يجب أن تلتقي في النهاية كما ظهرت في التصميم.
وهذه تحديدًا إحدى فوائد الجمع بين فهم التصميم وفهم التنفيذ؛ لأن الرسم يجب منذ البداية أن يكون قابلًا للبناء وليس جميلًا على الشاشة فقط.
بعد اكتمال المشروع، لم يكن النجاح بالنسبة لنا أن يبدو المكان مختلفًا في الصور فقط.
المقياس الأهم كان أن تعمل الأفكار التي بدأنا بها.
الروبوت يستطيع التنقل في المكان.
الموظف يستطيع اختيار بيئة العمل التي تناسب مهمته.
هناك مكتب تقليدي عندما يحتاج إليه.
Silent Room عندما يحتاج إلى الخصوصية.
Work Spot عندما تكون المهمة عشرين دقيقة فقط.
Stage عندما يحتاج الفريق إلى نقاش سريع.
ومنطقة مركزية تستطيع أن تتغير وظيفتها خلال الفعاليات.
وفي الوقت نفسه بقيت الإطلالة الخارجية جزءًا أساسيًا من تجربة المكان.
هذه التفاصيل هي التي جعلت المشروع في النهاية قريبًا من طبيعة Proven Arabia نفسها؛ شركة تعمل في عالم يتغير سريعًا وتحتاج إلى بيئة عمل قادرة على التكيف معه.
وكان من أكثر النتائج التي نعتز بها إشادة فريق العميل وزوار المقر بدقة ترجمة احتياجاتهم إلى مساحة حقيقية قابلة للاستخدام.
هذا المشروع أكد لنا مرة أخرى أن تصميم المكاتب يبدأ من فهم العمل قبل اختيار شكل المكتب.
شركة تقنية لا يمكن أن تحصل على نفس الحل الذي نقدمه لشركة مالية، وشركة تعتمد على الروبوتات لن تكون احتياجاتها مثل شركة استشارات تقليدية.
ولهذا عندما نبدأ مشروع تصميم مكاتب في الرياض نحاول أولًا فهم حركة الأشخاص، طبيعة الأقسام، مستوى التعاون، الاجتماعات، الخصوصية، التقنية، خطط التوسع وطبيعة استخدام كل فراغ، ثم تبدأ مرحلة التصميم.
مشروع Proven Arabia – برج القمر – الرياض – 600 م² كان مثالًا واضحًا على هذه المنهجية.
بدأ المشروع بمساحة ذات هندسة غير معتادة ومتطلبات تشغيلية غير مألوفة، وانتهى ببيئة عمل مترابطة تجمع بين التصميم، التقنية، الحركة والاستخدام اليومي.
وهذه بالنسبة لنا هي القيمة الحقيقية لتصميم بيئة العمل.